ابن عجيبة
299
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال القشيري : إنما يمس المتقين طيف الشيطان في ساعات غفلتهم عن ذكر الله ، ولو أنهم استداموا ذكر الله بقلوبهم لما مسّهم طائف الشيطان ، فإن الشيطان لا يقرب قلبا في حال شهوده الله ؛ لأنه يخنس عند ذلك ، ولكل عازم فترة ، ولكلّ عالم هفوة ، ولكل عابد شدة ، ولكل قاصد فترة ، ولكل سائر وقفة ، ولكل عارف حجبة . قال - عليه الصلاة والسلام - : « الحدّة تعترى خيار أمتي » « 1 » . فأخبر بأن خيار الأمة ، وإن جلت رتبتهم ، لا يتخلصون عن حدة تعتريهم في بعض أحوالهم ، فتخرجهم عن دوام الحلم . ه . وكأنه يشير إلى أن طائف الشيطان يمس الواصلين والسائرين ، وهو كذلك بدليل أول الآية في قوله : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ . . . الآية ، ومسه للسائر أو الواصل زيادة به ، وترقية له ، وتحويش له إلى ربه ، واللّه تعالى أعلم . ثم ردّ اللّه على من طلب الآيات ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 203 ] وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 203 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ أي : الكفار ، بِآيَةٍ ؛ بمعجزة مما اقترحوا ، أو من القرآن حين يتأخر الوحي ، قالُوا لَوْ لا ؛ هلا اجْتَبَيْتَها أي : تخيرتها وطلبتها من ربك ، أو هلا اخترعتها وتقولتها من نفسك كسائر ما تقرأ ؟ قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي فلا أطلب منه آية ، فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 2 » ، أو : لا أخترع القرآن من عند نفسي ، بل أتبع ما يوحى إلىّ من ربي . هذا القرآن بَصائِرُ للقلوب مِنْ رَبِّكُمْ ، أي : من عند ربكم ، بها تبصر الحق وتدرك الصواب ، وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ؛ وإرشاد أو طمأنينة لقلوب المؤمنين . الإشارة : قد تقدم مرارا ما في طلب الآيات من ضعف اليقين ، وعدم الصدق بطريق المقربين ، وإنما على الأولياء أن يقولوا : هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بطريق المخصوصين . وبالله التوفيق . ثم أمر بالإنصات للقرآن ، الذي هو أعظم الآيات ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 204 ] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 ) يقول الحق جل جلاله : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ ، مطلقا ، فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ؛ لكي تعتبروا وتتدبروا ، فإنما نزل لذلك ، وهل على الوجوب أو الاستحباب - وهو الراجح ؟ قولان ، وقيل : الاستماع المأمور به
--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الكبير ( 11 / 64 ) عن ابن عباس رضى اللّه عنه ، وضعفه السيوطي في الجامع الصغير ( ح 3808 ) . ( 2 ) من الآية 29 من سورة الكهف .